حبيب الله الهاشمي الخوئي
287
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بغيب بعيد ، والقذف في الأصل رمى الحجر وأشباهه وبالغيب الأمر الغايب وهذه اللفظة من الألفاظ القرآنيّة قال تعالى في كفّار قريش * ( « وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » ) * أي يقولون هذا سحر أو هذا من تعليم أهل الكتاب أو هذه كهانة وغير ذلك مما كانوا يرمونه . قال الطبرسيّ في تفسير هذه الآية : أي يرجمون بالظنّ فيقولون لا جنّة ولا نار ولا بعث ، وهذا أبعد ما يكون من الظنّ وقيل معناه : يرمون محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالظنون من غير يقين ، وذلك قولهم هو ساحر وهو شاعر وهو مجنون ، وجعله قذفا لخروجه في غير حقّ ، وقيل : معناه ويبعدون أمر الآخرة فيقولون لأتباعهم : هيهات هيهات لما توعدون ، وذلك كالشئ يرمى في موضع بعيد المرمي . ( ورجما بظنّ مصيب ) يعني أنّ قوله : لاغوينّهم أجمعين كان رجما بظنّ قد أصاب فيه وطابق الواقع كما يشهد به قوله سبحانه * ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه ُ فَاتَّبَعُوه ُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَما كانَ لَه ُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ ) * قال أمين الاسلام الطبرسيّ : المعنى أنّ إبليس كان قال : لاغوينّهم ولاضلنّهم وما كان ذلك عن علم وتحقيق وإنما قاله ظنا فلما تابعه أهل الزيغ والشرك صدّق ظنّه وحقّقه . وفي بعض النّسخ ورجما بظنّ غير مصيب قال الشارح المعتزلي : وهذه الرّواية أشهر . أقول : ووجّه بوجوه أحسنها وأصوبها وجهان أحدهما أنّ قوله : لاغوينّهم بمعنى الشرك أو الكفر والذين استثناهم بقوله إلَّا عبادك اه المعصومون من المعاصي ، ومعلوم أنّ هذا الظنّ غير مصيب لأنّه ما أغوى كلّ البشر غير المخلصين الغواية التي هي الشرك والكفر وإنما أغوى بعضهم به وبعضهم بالفسق فقط ، فيكون ظنّه أنه قادر على إضلال البشر كلَّهم بالكفر ظنّا غير مصيب . وثانيهما أنّ إبليس لما ظنّ أنه متمكَّن من إجبارهم على الغىّ والضّلال ، فقال :